ابن رضاء مات مرضيا رثاء في فقيد الشباب محمد عباس المهذب الطيب

بسم الله الرحمن الرحيم
*ابن رضاء مات مرضيا*
﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾
في يوم السادس عشر من أكتوبر، فُجعنا برحيل فلذة كبدي *محمد*، الذي وُلد في الرابع والعشرين من يونيو عام ٢٠٠٦، فكان زهرة العمر ونور الدرب، بابتسامته التي لا تفارق وجهه، وبقلبه الطيب الذي لم يعرف الحقد، وبروحه المفعمة بالبرّ والرحمة لكل اهله وكل من عرفه.
*محمد*… كان إذا أقبل أشرق المكان بابتسامته الصادقة، وإذا تكلّم دخلت كلماته إلى القلب دون استئذان.
بايمان عميق وصي وكتب مودعا قبل منيته ورحل سريعًا كما يرحل الطيبون، تاركًا وراءه ذكرى عطرة، ودمعة لا تجف، ودعاء لا ينقطع.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ونزلاً مباركًا عندك، واغفر له برحمتك الواسعة، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وألهمنا جميعًا الصبر الجميل والرضا بقضائك.
> صبري جميلٌ وإن جرت أدمعي ندمًا
فالله أكرمُ من يُرجى له الكرمُ
يا من مضيتَ وخلّفت الحشا ولهًا
قد شاء ربُّك ما لم تشتهِ الأممُ
نَمْ يا محمد فجنّاتُ النعيمِ ثوىً
خيرٌ من الأرضِ دارًا والهوى نِعَمُ
…..
وباسمي وباسم أسرتي، أتقدّم بجزيل الشكر والعرفان لكل من واسانا بالكلمة الصادقة، والدعاء النبيل، والحضور الكريم. لقد خفّفتم عنا وطأة المصاب، وأثبتم أن في هذا الزمن قلوبًا ما زالت تنبض بالمحبة والوفاء.
رحم الله *محمّدنا* الكوكي الحبيب، وجعل لقاءنا به موعدًا تحت ظلّ رحمته التي وسعت كلّ شيء في فراديس الجنان.

*حين يواسيك أهل الفقد*…
في زمنٍ تتكسر فيه النفوس لأبسط الأسباب، وتنهار الأرواح أمام كل عاصفة، كانت زيارتي أمس درسًا عميقًا في معنى الصبر، والإيمان، والوفاء.
لم يكن نهارًا عاديًا.
فقد اتصلت بي أمي، التي لم تجف دموعها بعد على أختها الراحلة آمنة — أختها الأخيرة في الدنيا — والتي ودّعتها قبل أقل من عشرة أيام فقط.
اتصلت لتقول بصوتٍ لا يخلو من الحزن، لكنه لا يخلو أيضًا من إحساس عالٍ بالواجب والمروءة:
“ابن نجوى توفي، ولازم أمشي أعزيها…”
نجوى…
ذلك الاسم الذي لا يغيب عن ذاكرة طفولتنا.
جارتنا في الجريف شرق قبل أكثر من ثلاثين عامًا، حين كانت الحياة بسيطة والقلوب أكثر قربًا من بعضها.
زوجها عباس، صاحب الروح الطيبة والابتسامة الحاضرة، كان يدير مطعمًا في الجريف، ثم عمل في مطاعم البربري المشهورة لعقود طويلة.
رحلت العائلة لاحقًا إلى مدينة الأزهري، وتبدلت المدن والمنازل، لكن شيئًا واحدًا لم يتبدل:
تواصل نجوى ووفاؤها.
لم تنقطع يومًا عن الجريف، لا في زياراتها، ولا في تواصلها، وكأن الجيرة لم تنتهِ… بل أخذت شكلًا أعمق من الحضور المادي.
ركبنا السيارة: أنا، وأبي، وأمي، وأخي أحمد، متوجهين نحو أحد أحياء القاهرة، حيث تقيم نجوى وأسرتها.
وفي داخلي كنت أتهيأ لمشهد من الحزن العميق، لانهيارٍ طبيعي في مثل هذه المصائب.
فابنهم، محمد، لم يكن طفلًا عاديًا.
شاب في ريعان الشباب، امتحن هذا العام، نال مجموعًا كبيرًا أهّله لدخول كلية الهندسة في جامعة السودان العريقة.
شاب يافع، قادم من وطنه إلى القاهرة للعلاج…
فيموت هنا، في الغربة، بين أملٍ ووجع.
أيّ بيتٍ هذا الذي سندخله؟
وأي أم تلك التي فقدت ابنها بهذا الشكل الفاجع؟
وأي أب ذاك الذي ودّع حلمه يمشي أمامه ثم حمله على كتفيه إلى القبر؟
كنت أتهيأ لمشهد الدموع، للصراخ، للانكسار التام…
لكن ما حدث…
كان شيئًا لا يشبه ما توقعت.
استقبلنا الحاج عباس بابتسامةٍ فيها من النور ما يجعل قلبك يخجل من حزنه.
كان يحكي عن أيام الجريف، عن الطيبين، عن المطاعم، عن تفاصيل الزمن الجميل، كأن الفقد لم يكن قبل أيام فقط…
كأن القلب لا ينزف.
كان يواسي والدي، ويضحك، ويحكي.
كانت نجوى تلتفت إلى أمي وتسألها عن الحال، وتحكي عن زمن الجيرة، وتضحك على مواقف قديمة كأنها بالأمس.
وفي لحظة، التفتُ داخلي، وقلت لنفسي:
“من المفترض أننا جئنا نعزيهم… لكنهم هم من يعزونا.”
هل هو الإيمان؟
هل هو التسليم الخالص بقضاء الله؟
هل هو الصبر الجميل الذي لا جزع فيه، ولا شكوى إلا لله؟
أم أن هؤلاء الناس ممن اختصهم الله برضا من نوعٍ خاص؟
وأما أمي…
فما أعظم هذا القلب الذي يسكنها.
رغم ألمها، رغم أنها خرجت لأول مرة من بيتها منذ رحيل أختها الحبيبة آمنة، رغم أن قلبها لا يزال طريًا من الحزن…
إلا أن نداء الوفاء كان أقوى من كل شيء.
خرجت لأجل صديقتها القديمة، وجارتها الوفية، لتقف بجانبها، وتقول لها:
“أنا هنا… كما كنت دومًا.”
ما رأيته بالأمس لا يمكن وصفه إلا بأنه درس إنساني خالص.
الصبر، حين يكون صادقًا، يُبهرك.
الإيمان، حين يكون راسخًا، يُدهشك.
والوفاء، حين يثمر رغم ثلاثين عامًا من الغياب، يملأ القلب يقينًا بأن العلاقات النبيلة لا تموت… بل تُخلّد.
لكم تمنيت أن ألتقط صورة لتلك اللحظات…
لكنني أدركت أن بعض المشاهد لا تُصوّر بعدسة كاميرا، بل بعدسة القلب.
نجوى…
عباس…
أنتم لستم فقط من أهل الصبر، بل أنتم أهل المقام العالي في المحبة والرضا.
وأمي الحبيبة…
لكِ السلام والامتنان، لأنك علمتينا أن الوفاء لا يتغير مهما تغيرت الأحوال، وأن اليد التي أمسكت يد جارتها في صغرها، لا تتركها حين يشتد الحزن.
رحم الله محمد،
وغفر له،
وجعل مثواه في أعلى الجنان.
وألهم أسرته مزيدًا من الصبر…
وكتب لهم أجر الثبات، كما كتب لهم أجر الوفاء.
إبراهيم الامين خلف الله
القاهرة 18-10-2025

رثاء في فقيد الشباب محمد ولد عباس ونجوى
رحمك الله يا محمد… يا جميل الخَلق والخُلق، يا من كنتَ تضيء المكان بابتسامتك الهادئة، وتمنح من حولك راحة لا توصف.
كنتَ حلمًا في بداياته، ومشروعًا للخير في كل تفاصيله. كنتَ تعدّ الأيام لتشقّ طريقك في عالم الطب والهندسة، لتداوي الحياة بيديك الطاهرتين، فإذا بالموت يخطفك قبل أن تكتمل الحكاية.
يا محمد (كوكي)… ما أقسى رحيلك، وما أصدق وصيتك حين طلبت ألا نحزن، لأنك في تمام الرضا عن نفسك وربك. كلماتك تلك تذيب القلب وتسكب عليه سكينة الإيمان، وكأنك كنت تودّعنا ببصيرة العارفين، وبابتسامة الراضين.
لقد رحلتَ، ولكنك تركت فينا من نورك ما يكفينا لنرى الطريق.
تركت فينا دمعةً لا تجف، وذكرى لا تزول، ورضًا يختلط بالحنين.
اللهم يا واسع الرحمة، اجعل محمدًا في مقعد صدقٍ عندك، واجعل شبابه في ميزان حسناته، وابتسامته شفاعةً له يوم يلقاك.
اللهم أنزله منازل الصالحين، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة.
اللهم اربط على قلب أمه وأبيه، وامنحنا في الاسرة صبرًا يليق بعِظم هذا الفقد، ورضًا يليق بحكمك وعدلك.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
سلامٌ عليك يا محمد يوم وُلدت، ويوم رحلت، ويوم تُبعث
مصطفي ابراهيم عبود
الجمعه 17نوفمبر 2025


