
هناك لحظات في حياة الإنسان يظن فيها أن قوته اختفت وأن طاقته انتهت وأن الطريق لم يعد قادرًا على حمله لكن الحقيقة أن القوة الحقيقية ليست في الصوت العالي ولا في الشجاعة الظاهرة ولا في الضربات التي نردها القوة الحقيقية شيء مختلف شيء داخلي صامت لا يراه الناس ولا يشعر به أحد غير الشخص نفسه هذه القوة تظهر عندما ينهار كل شيء ويظل الإنسان واقفاً تظهر
عندما يخاف لكنه يواصل الطريق تظهر عندما يتعب لكنه لا يسمح لنفسه أن يسقط تظهر عندما تنغلق الأبواب لكنه يرفض أن يتراجع تظهر عندما يخونه البعض لكنه يرفض أن يخون نفسه ومع تتابع الأيام يتعلم الإنسان أن أقوى لحظاته لم تكن تلك التي انتصر فيها أمام الجميع بل كانت تلك اللحظات التي كان يقاتل فيها وحده دون شاهد دون دعم دون أحد يربت على كتفه كان يقاتل نفسه أفكاره
مخاوفه انهياراته ويحافظ رغم ذلك على توازنه ويحمي قلبه من الانكسار ويحمي عقله من الضياع ويحمي روحه من الانطفاء ويكتشف أن هذه القوة التي لا يراها أحد أكبر بكثير من أي قوة يراها الجميع لأن القتال أمام العيون سهل أما القتال داخل النفس فهو معركة لا ينجو منها إلا الأقوياء ومع كل تجربة يتعلم الإنسان أن القوة لا تأتي من الجسد ولا من الصوت ولا من الأشخاص الذين
حوله بل تأتي من إصراره من إيمانه من عمقه الداخلي من فكرة واحدة تقول مهما حصل سأقف مهما حصل سأكمل مهما حصل لن أنكسر وحتى إذا انكسرت سأجمع نفسي مرة أخرى وسأقف لأن القوة ليست في عدم السقوط لكنها في القدرة على الوقوف بعد السقوط القوة ليست في عدد من يقفون معنا لكنها في القدرة على الوقوف حتى عندما نقف وحدنا القوة ليست في الكلمات التي
نرددها لكنها في اللحظات التي نصمت فيها ونقاتل بصمت ومع فهم الإنسان لكل هذا يتحول إلى شخص مختلف شخص لا يهتز بسهولة لا يتأثر بكل كلمة لا ينهار مع كل صدمة لا يفقد إيمانه مع كل خذلان يصبح أكثر ثباتا وأكثر صبرا وأكثر قدرة على قراءة نفسه وعلى قراءة الآخرين يعرف متى يصمت ومتى يتكلم ومتى يبتعد ومتى يقترب يعرف أن القوة ليست معركة مع العالم لكنها معركة
مع النفس وأن الانتصار الحقيقي ليس أن نربح أمام الآخرين بل أن نربح أمام أنفسنا وفي الطريق يكتشف الإنسان أن كل تجربة قاسية مرت عليه وكل دمعة نزلت منه وكل ليلة نام فيها وهو محطم وكل خيبة واجهها وكل باب أغلق في وجهه كانت تصنع فيه شيئا لم يفهمه في وقته كانت تبني جزءا من قوته التي لا يراها أحد كانت تهيئه ليصبح الشخص الذي يقدر نفسه ولا يحتاج تصفيقًا ولا ينتظر
اعترافا ولا يبحث عن تأييد كان القدر يصنع منه إنسانا لا يسقط بسهولة ولا ينكسر بسهولة ولا ينهار بسهولة إنسانا يعرف أن قوته ليست هدية من الدنيا بل شيء صنعه بصبره وثباته وحبه للحياة رغم كل ما فيها



