الإعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : الشعب المجري يسترد دولته من قبضة أوربان بعد 16 عامًا من الاستبداد

في لحظة فارقة من تاريخ أوروبا الشرقية، يقف الشعب المجري على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها استعادة الدولة من قبضة حكم دام أكثر من 16 عامًا، هيمن خلاله رئيس الوزراء فيكتور أوربان على مفاصل السلطة، وفرض نموذجًا سياسيًا مثيرًا للجدل، مزج بين القومية المتشددة وتقييد الحريات، تحت لافتة “الديمقراطية غير الليبرالية”.
على مدار سنوات حكمه، تمكن أوربان من إعادة تشكيل المشهد السياسي في المجر بشكل عميق، حيث أحكم السيطرة على الإعلام، وقلّص من استقلال القضاء، وأعاد صياغة القوانين الانتخابية بما يخدم بقاءه في السلطة. ورغم تحقيق بعض النجاحات الاقتصادية النسبية، إلا أن ثمن ذلك كان باهظًا على مستوى الحريات العامة وحقوق الإنسان.
لكن الشعوب لا تنسى… ولا تستسلم.
ففي مشهد انتخابي حاسم، عبّر المجريون عن إرادتهم الحقيقية، وقرروا كسر دائرة السيطرة، وإعادة رسم مستقبل بلادهم. خرجت الجماهير إلى صناديق الاقتراع بروح جديدة، مدفوعة برغبة عارمة في التغيير، واستعادة التوازن بين السلطة والمجتمع، وبين الدولة ومواطنيها.
ما حدث في المجر لم يكن مجرد تغيير سياسي عابر، بل هو رسالة أوروبية ودولية مفادها أن الديمقراطية، مهما تعرضت للتآكل، قادرة على النهوض من جديد. وأن الشعوب، حتى وإن طال صبرها، تملك في النهاية الكلمة الفصل.
التحدي الأكبر الآن لا يكمن فقط في إسقاط نموذج الحكم السابق، بل في بناء نموذج بديل قادر على ترميم ما تم إفساده، وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وضمان استقلالها، وفتح المجال العام أمام التعددية السياسية والإعلامية.
كما أن الحكومة القادمة ستكون أمام اختبار صعب، يتمثل في تحقيق التوازن بين الإصلاح الداخلي، والحفاظ على استقرار الدولة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، والتوترات الإقليمية التي تلقي بظلالها على القارة الأوروبية.
إن ما جرى في المجر يعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن للديمقراطية أن تتجدد من داخلها؟ والإجابة، كما يبدو، نعم… ولكن بثمن، وبنضال طويل، وبإرادة شعب لا يقبل أن يُختطف مستقبله إلى الأبد.
لقد قال الشعب المجري كلمته… واستعاد دولته.
ويبقى السؤال الآن: هل تتعلم الأنظمة الأخرى من هذا الدرس؟


