تحت ضغط الغلاء… الطبقة المتوسطة تتآكل وأحلام الشباب تتبخر محمود سعيد برغش

تحت ضغط الغلاء… الطبقة المتوسطة تتآكل وأحلام الشباب تتبخر
محمود سعيد برغش
الراتب ثابت والأسعار تحلق… كيف تحولت الطبقة المتوسطة إلى طبقة تبحث عن النجاة؟”
قراءة إنسانية واقتصادية ودينية في موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة
لم تعد موجة الغلاء التي يشهدها الشارع مجرد أرقام تُعلن في نشرات الأخبار، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيشه المواطن في كل خطوة. ارتفاع أسعار الوقود تبعه مباشرة ارتفاع في أجرة المواصلات، وزيادة أسعار تذاكر المترو، ثم انعكست هذه الزيادات على أسعار السلع الأساسية، لتصبح الحياة أكثر صعوبة على ملايين الأسر.
فإن المواطن بين الدخل الثابت والأسعار المتحركة المشكلة لم تعد في الغلاء فقط، بل في ثبات الدخل. الموظف الذي كان راتبه يكفي احتياجات بيته الأساسية أصبح عاجزًا عن تغطية نصفها. الأسرة التي كانت تُصنف ضمن الطبقة المتوسطة بدأت تنزلق تدريجيًا إلى دائرة العجز، حتى أصبح توفير الاحتياجات اليومية تحديًا حقيقيًا.
أصبح الأب يقف حائرًا أمام مصروفات لا تنتهي: من إيجار أو قسط شقة، مصروفات مدارس، طعام، دواء، مواصلات تضاعفت تكلفتها.
و في المقابل… الدخل ثابت، والضغوط تتزايد، والقلق يتسلل إلى كل بيت.
وأيضاً أجرة المواصلات… نار يومية ارتفاع أسعار الوقود لم يقف عند حدود محطات البنزين، بل امتد مباشرة إلى جيوب المواطنين عبر أجرة المواصلات. العامل والموظف الذي يستخدم أكثر من وسيلة انتقال يوميًا أصبح يدفع جزءًا كبيرًا من دخله في التنقل فقط، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية والنفسية.
وأيضاً المترو… شريان الحياة الذي أثقله الغلاء المترو الذي كان يمثل وسيلة النقل الأرخص والأكثر اعتمادًا، أصبح هو الآخر ضمن موجة الارتفاع. ومع اعتماد ملايين المواطنين عليه يوميًا، فإن أي زيادة—even بسيطة—تنعكس مباشرة على ميزانية الأسرة.
أصبح الشباب والزواج… حلم يتراجع في ظل هذه الظروف، يقف الشباب أمام معادلة شبه مستحيلة. تكلفة الشقة ارتفعت، أسعار الأثاث تضاعفت، متطلبات الزواج أصبحت عبئًا ثقيلًا.
وايضا أصبح الشاب يؤجل الزواج عامًا بعد عام، وأحيانًا يتخلى عنه، مما يخلق آثارًا اجتماعية ونفسية عميقة على المجتمع.
وهنا تشعر الأسرة المصرية… إدارة بالعجز الأم أصبحت تحاول تدبير البيت بأقل الإمكانيات، تقلل من الكميات، وتؤجل الاحتياجات، وتعيد ترتيب الأولويات. الأب يحاول التماسك، لكنه يشعر بالعجز حين لا يستطيع تلبية أبسط طلبات أبنائه. الأطفال أنفسهم بدأوا يشعرون بالضيق، وأصبحوا يسمعون كلمة “مش دلوقتي” أكثر من أي وقت مضى.
ولكن هنا كانت رؤية الإسلام لمعاناة الناس الإسلام دين العدل والرحمة، وقد وضع قواعد واضحة لحماية الناس من الضيق والظلم. يقول الله تعالى:
“لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”
ويقول سبحانه: “وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ”
وهي دعوة صريحة لمنع الظلم الاقتصادي واستغلال الناس.
وقال النبي ﷺ: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به”
وهو حديث يوضح حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل مسؤول.
وكان موقف الصحابة والخلفاء كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
“لو أن بغلة تعثرت في العراق لسألني الله عنها لماذا لم تمهد لها الطريق يا عمر”
وهو تعبير عن عمق المسؤولية تجاه الرعية. كما أكد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن العدالة الاجتماعية أساس الاستقرار، وأن على الأغنياء دورًا في دعم الفقراء.
فأين دور الحكام والمسؤولين المسؤولية هنا ليست اقتصادية فقط، بل إنسانية وأخلاقية أيضًا. من واجب المسؤول:
– تخفيف العبء عن المواطنين – مراقبة الأسواق ومنع الاستغلال – دعم الفئات الأكثر احتياجًا – حماية الطبقة المتوسطة من الانهيار
فالقيادة في الإسلام تقوم على الرعاية، لا مجرد الإدارة.
وهنا سؤال هل يعتبر الغلاء ظلمًا من الحاكم؟
الفقهاء فرّقوا بين أمرين:
إذا كان الغلاء نتيجة ظروف عالمية عامة، فليس ظلمًا مباشرًا، لكن واجب الحاكم التخفيف عن الناس.
أما إذا أهملت معاناة المواطنين دون تدخل أو دعم، فإن ذلك يعد تقصيرًا في المسؤولية.
لكن مجتمع يصبر رغم الألم رغم الضغوط، ما زال المجتمع متماسكًا. الناس تتكافل، والأقارب يساعدون بعضهم، والجيران يتقاسمون الأعباء. لكن هذا الصبر له حدود، ويحتاج إلى سياسات تخفف عن المواطن وتعيد التوازن.
الغلاء ليس مجرد أزمة مالية، بل قضية إنسانية تمس الأسرة والشباب والاستقرار الاجتماعي. الطبقة المتوسطة تتآكل، والشباب تتأجل أحلامهم، والأب يواجه ضغوطًا غير مسبوقة. الحل يكمن في العدالة، والتكافل، وتحمل المسؤولية من الجميع.
قال تعالى:
“وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى”
إنها دعوة مفتوحة للرحمة والعدل… قبل أن يصبح الغلاء أزمة مجتمع كامل. “الراتب ثابت والأسعار تحلق… كيف تحولت الطبقة المتوسطة إلى طبقة تبحث عن النجاة؟”



